أبي منصور الماتريدي
108
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كانوا يعملون ؛ لأنهم عملوا لغير الله ، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك ، وإلى هذا يذهب ابن عباس . وروي في بعض الأخبار أن نبي الله صلى اللّه عليه وسلّم سئل : ما بال العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت ، والرجل المعروف بالشرّ يهون عليه الموت ؟ ! فقال : « المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته ، فيفضي إلى الله في الآخرة ولا ذنب عليه ، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت يخفف عنه بها كرب الموت ، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة » « 1 » أو كلام نحوه . وقال بعضهم : الآية في أهل الكفر « 2 » يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة ؛ نحو : التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر صالحة ، يقول : نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص منها شيئا فهو ما وسع عليهم الدنيا . وجائز أن يكون قوله : نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ أي : نرد إليهم أعمالهم التي عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد . وقوله - عزّ وجل - : وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أي : لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله . وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ : على هذا التأويل [ ظاهر ليس لأهل الكفر في الآخرة إلا النار ] « 3 » وعلى التأويل الذي قال : إنها في أهل الإيمان ، أي : لا يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار ؛ لأنه إذا راءى فيها لم يخلصها لله وضيع أمره ، وكل من ضيع أمر الله وفريضته يستوجب التعذيب عليه وله العفو ، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ فيه دلالة نقض قول الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن الله ، وفي الآية إثبات العلم له بقوله : أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ . وقوله - عزّ وجل - : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ . وقوله : أَ فَمَنْ حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر ؛ لأن
--> ( 1 ) أخرجه بمعناه مسلم ( 4 / 2162 ) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا ( 56 / 2808 ) ، وأحمد في المسند ( 3 / 123 ، 283 ) عن أنس بن مالك . ( 2 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 377 ) ، وكذا أبو حيان في البحر ( 5 / 210 ) ونسبه لمجاهد . ( 3 ) سقط في أ .